رحلة اكتشاف جذور الموسيقار أوغسطين الأعمى – لاما

بقلم لوسي موتت وإياد حنضل

اجتمع أفراد من عائلة الأعمى ذات الأصول التلحمية في عمان للتعرف على جذور عائلتهم، بهدف إجراء بحث مكثف حول عازف الأورجن في كنيسة القيامة في القدس، أوغسطين الأعمى، الذي قضى هناك أكثر من 70 عامًا. التقى أبناؤه باتريك وجوزيف في الباحث الأستاذ جورج الأعمى، المتخصص في هذا النوع من الأبحاث، و المؤسس لمركز دار الصباغ لدراسات وأبحاث المغتربين في بيت لحم، والذي يعمل على تشبيك الفلسطينيين الذين أصولهم تعود الى منطقة بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور و يعيشون خارج أرض الوطن لإعادة الاتصال بجذورهم والتعرف على تاريخ عائلاتهم.

في منتصف القرن التاسع عشر، غادر العديد من الفلسطينيين وطنهم بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية واستقروا في بلدان مختلفة، كانت غالبية أصولهم تعود الى منطقة بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور بالاضافة لمدن أخرى، ولم يكن في نيتهم الاستقرار بشكل دائم خارج فلسطين، لكنهم أرادوا توسيع نطاق عملهم في الحرف اليدوية في الأسواق الدولية، ولاحقا خاصة بعد حرب عام 1948، طُرد العديد من الفلسطينيين قسراً من منازلهم، ودُمرت مئات البلدات والقرى الفلسطينية خلال (النكبة)، حدثت موجة هجرة جماعية أخرى في عام 1967، عندما احتل الجيش الإسرائيلي الأرض وطرد وقتل أهلها، وبنى ووسع المستوطنات، وصادر الممتلكات الفلسطينية، وكلها كانت مناورات سياسية كبيرة استخدمت ضد الفلسطينيين. لم تكن قصة السيد أوغسطين الأعمى وعائلته قصة عادية بالنسبة للمركز مقارنة بالقصص والأبحاث التي تعامل معها منذ لحظة تأسيسه عام 2018م، كون اوغسطين كان مُلَحناً وعازف اورجن ومؤلفاً مهماً للجوقة الموسيقية التابعة لحراسة الأراضي المقدسة، ولأنه أحدث تحولا كبيرا في الموسيقى الفلسطينية المعاصرة، ولكثرة المحاولات والأقاويل المتعلقة بالعثور على جذوره العائلية، والتي لم تكن صحيحة بالمجمل، لكن هذا البحث قدم بطريقة علمية بحتة، باستخدام المصادر الموثوقة، حقائق دقيقة استطاعت أن تضع حداً لجميع هذه النظريات الخاطئة. 

خطا السيد جورج الخطوة الأولى في طريق اجراء هذه المهمة لاستكشاف الغموض المحيط بأوغسطين، وبعدها بدأ فريق دار الصباغ بجمع المعلومات من خلال المقابلات والبحث في السجلات والوثائق القديمة، وإجراء العديد من المقابلات الهاتفية مع عدد من الأشخاص مثل باتريك وجوزيف الأعمى، اللذان اشارا الى  أن اسم والد أوغسطين هو بشارة وأن اسم والدته ربما كان مريم،  قالوا “هذا كل ما نعرفه”. وأضاف باتريك أن هناك كتابًا نُشر منذ زمن طويل عن تاريخ بيت لحم، وفي هذا الكتاب قصة شيّقة عن جدهم بشارة، على أنه كان يعمل صائغاً للفضة أو الذهب وحكم عليه بالإعدام من قبل حكومة الإمبراطورية العثمانية بتهمة تزوير العملات.

وكذلك فقد اجريت مقابلة مع الباحث  روبرت جعار  الأعمى الذي شارك الفريق بفرضيات أكثر من كونها معلومات موثقة، على الرغم من بحثه المكثف الذي دام لسنوات حول عائلة الأعمى، فقد روى قصة تم تناقلها شفويا، مفادها ان سيدة ربما تدعى بيرتا أصرت على تبني اوغسطين في سنواته الأولى، وأمام رفض زوجها حنا ميلادة الفكرة، تم ارسال اوغسطين الى دار للأيتام في القدس محتفظا بإسم عائلته، فمن هي بيرتا؟ ولماذا أصرت على تبني أوغسطين؟ تساءل الباحثون. 

تتحدث أرشيفات حراسة الأراضي المقدسة عن زواج حنا ميلاده بأحد أفراد عائلة الأعمى فالرابط اذا محتمل وربما كان لقب زوجته بيرتا، جمع إياد حنضل الباحث في دار الصباغ معلومات من مصادر مختلفة منها شجرة عائلة الأعمى الموجودة في قاعدة بيانات المركز، وأرشيف كنيسة القديسة كاترينا في بيت لحم، والتعداد العثماني لعام 1905، ووجد خمسة أشخاص باسم بشارة الأعمى في السجلات المذكورة، لكن لم يتم العثور على اسم زوجته مريم ضمن البيانات.

وبالعودة الى قصة ابن أوغسطين باتريك لحل جزء من اللغز الخاص بقصته، نجح إياد في الحصول على كتاب يروي قصة بشارة، وبشكل أكثر تحديدًا قصة شخصية أخرى مثيرة للاهتمام من بيت لحم، وهي وردة مسلم (البس)، البطلة التي أنقذت بشارة من عقوبة الإعدام في دمشق في سوريا. 

في هذا السجل التاريخي عن بيت لحم الذي كتبه حنا عبد الله جقمان، وهو مؤرخ من نفس المدينة، نتعرف على مغامرات وردة، وهي امرأة تم وصفها في كناشة زبلح الشخصية بأنها تقضي وقتًا في كثير من الأحيان في الجلوس مع مجلس المدينة، كانت منخرطة بشكل كبير في حياة المدينة وتعاملت بشكل مباشر مع المشاكل والنزاعات المتعلقة بالأرض والعلاقات الأسرية وما إلى ذلك، كانت وردة امرأة حكيمة وذكية وقوية وجميلة، لا أحد يستطيع أن يرفض أي شيء تطلبه (جقمان، 1984). 

في حوالي عام 1896، عندما أُرسل بشارة إلى دمشق، عقد مجلس مدينة بيت لحم عدة اجتماعات بناءً على طلب عائلته التي كانت تسعى لعودته بأي طريقة، فهو العائل الوحيد للأسرة،  اجتمع مجلس المدينة، الذي ضم شيوخًا بارزين من بيت لحم، ليروا ما يمكنهم فعله، اقترحت وردة بثقة أن تتولى مهمة إنقاذ بشارة وإعادته إلى بيت لحم، بشرط أن يمدوها بالمال لتغطية نفقات رحلتها، وهذا ما حدث، فقد باعت والدة بشارة وشقيقاته جميع مجوهراتهم وأغطية رؤوسهم ( الشطوات) وأعطوا وردة كل الأموال التي جمعوها لهذا الغرض، كانت خطة وردة الذكية هي السفر إلى سوريا للعثور على الأشخاص المسؤولين والذين لديهم القدرة على تخفيف عقوبة الإعدام بحق بشارة، كانت تعتقد أنه بريء وأن الطريقة الوحيدة للتأثير على قرارهم هي عقد لقاءات مع أمهات وزوجات الأشخاص الموجودين في السلطة، كانت هذه هي الطريقة التي يمكنها بها تغيير آراء أصحاب السلطة، وهذا بالضبط ما حدث، حصلت وردة على حرية بشارة (جقمان، 1984). يُدخل مصدر آخر هذه القصة: في عام 1896، تلقى كاهن السالزيان الأب أنطونيو بلوني رسالة تهنئة بشارة بعودته إلى بيت لحم، تفيد بأنه ليس له إخوة، في الواقع، هذه الوثيقة  لا تؤكد صحة قصة وردة فحسب، بل لتحديد خيارات البحث بشكل أفضل عن هوية بشارة التي نتحدث عنها (نحاس، 1909(

وفقًا لأرشيف حراسة الأراضي المقدسة وبعد إطلاع لوسي موتيت من متحف الأراضي المقدسة، فإن أوغسطين وُلد في 28 آب 1902، لوالدين مجهولين الهوية من فلسطين، دخل دار الأيتام في القدس في 16 تشرين الأول 1908[1]

سجل المعمودية من رعية مار نيقوديموس في الرملة ، محفوظ في القدس (1873-1931) الجزء الأول.

وفي مصدر اخر هام أشار فيه الكاتب الأب أغوستينو سزيمانسكي عن سيرة حياة أوغسطين الأعمى بعد وفاته، الا ان                أوغسطين ولد في 28 آب 1903، وهو ابن بشارة وماريا، من سكان بيت لحم الأصليين. بحسب سجل الميلاد والمعمودية  لكنيسة مار نيقوديموس في الرملة، وثقت تاريخ ميلاد أوغسطين في 28 آب 1902، ولكن المهم في المعلومات التي ذكرها الأب سزيمانسكي أنه تم ذكر اسم والدة أوغسطين للمرة الأولى وهو ماريا، كما وذكر تواريخ وفاة بشارة وماريا[2]

في ذلك الحين، تمكن إياد من تقليص عدد الأشخاص الذين  حملوا اسم بشارة، وكان واحد منهم فقط متزوج من ماريا وهو بشارة يوسف الأعمى، في الواقع لم يكن لديه إخوة، وبالمقاربة بين الجدول الزمني وتاريخ الوفاة مقارنة بسجلات ارشيفية اخرى في المركز، فقد كان له ابنتان وهما وديعة وكاترينا، في الوقت الذي دخل فيه أوغسطين إلى دار الأيتام، كانوا متزوجين، وديعة، التي ذكرها روبرت جعار الأعمى بلقب بيرتا، كانت متزوجة من حنا ميلاده، هذه المعلومات تحدد هويتها وتشرح سبب سعيها لتبني أوغسطين.

صورة التقطها المؤلفان، قبر بشارة الأعمى مع والدته مريم بطارسة 2023. مقبرة اللاتين – بيت لحم 

 بقي سؤال آخر: لماذا دخل أوغسطين دار الأيتام عام 1908 وكان عمره ست سنوات، لماذا ذهب إلى دار الأيتام في ذلك العمر؟ خاصة وأن والديه ما زالا على قيد الحياة، الجواب الوحيد الممكن هو أن بشارة بعد أن استعاد حياته وعاد إلى المدينة، مرض وتوفي، ووفقًا لنص القبر الذي تم تحديده على قبر بشارة في مقبرة اللاتين في بيت لحم، فقد توفي عام 1912 عن عمر يناهز 48 عامًا، وقد تم إنفاق كل الأموال التي وفرها على مر السنين لتغطية رحلة وردة إلى سوريا لإنقاذه. 

وكان يسعى بشارة لتأمين حياة اسهل وأكثر نجاح لابنه الوحيد، وتوفير مستقبل وتعليم افضل له، وكان الفرنسيسكان قادرين على تقديم ذلك له، فقد كانت لديهم مدارس جيدة جدا تُدَرِّس اللغات والموسيقى والحرف وغيرها. 

 كان بشارة من عائلة كاثوليكية مؤمنة، يتضح ذلك من العلاقة الجيدة مع الكهنة الفرنسيسكان والظاهرة في رسالة التوصية التي أرسلها نائب الكاهن لكنيسة القديسة كاترينا في بيت لحم إلى دار الأيتام في القدس نيابة عن أوغسطين، وايضاً تعود سبب تسمية أوغسطين بهذا الإسم نسبة الى إسم القديس أوغسطين الذي يحتفل في عيده في اّب، أي نفس شهر ميلاد أغسطين الإعمى. 

 والسؤال الأخير: “لماذا ولد أوغسطين في الرملة وليس في بيت لحم؟” تم الاتصال بكاهن رعية الرملة الأب عبد المسيح، الذي كان يعرف أوغسطين، والذي شاركنا بنظريته المتعلقة بالامر والقائلة بأن بشارة كان على علاقة جيدة بالفرنسيسكان وكان يعمل في الكنائس، ربما يكون قد ذهب مع زوجته إلى الرملة للعمل في الكنيسة، وأثناء وجودهما هناك، أنجبت زوجته اوغسطين، وعلى الرغم من أن فريق الباحثين ليسوا متأكدين تماما من دقة هذه النظرية أو حقيقتها، لكن الأمر الأكيد ان اوغسطين هو ابن بشارة يوسق انطون الأعمى، وماريا جريس الأعمى هي والدته.

في الختام، لا يمكن ايجاز تفسير كامل حياة اوغسطين وانجازاته في هذه المقال، فهي اختصت فقط بتحديد جذور عائلته ومشاركة قصة وردة مسلم، التي انقذت بشارة من موت محقق، وهذا الاكتشاف يعد هاما ليس فقط لعائلة الأعمى الذين تعرفوا أخيرا على أجدادهم واقربائهم بعيدا عن الروايات والأقاويل الغير دقيقة، وانما هو اكتشاف غاية في الأهمية بالنسبة للمجتمع الفلسطيني و المهتمين بهذه القصة الرائعة.

مراجع:

1 – حنا عبد الله جقمان ، جولة في تاريخ الأرض المقدسة، بيت لحم منذ أقدم الأزمنةحتى 1800، الجزء الأول. القدس: المطبعة العربية الحديثة ، 1994.

2 – قاعدة بيانات دار الصباغ ومحفوظاتها ، “شجرة عائلة الأعمى ،” بيت لحم. تم الوصول إليه في آذار 2023.

3 – الاب نحاس ، سيرة الأب أنطون بيلوني ، قانوني القبر المقدس ومؤسس دار الأيتام السالزيان في فلسطين، الجزء الثاني ، ص. 92 ، مطبعة الاسكندرية الشرقية ، 1909.

4 – سجّل كنيسة القديسة كاترينا ، “شجرة عائلة الأعمى ،” بيت لحم. تم الوصول إليه في آذار 2023. أرشيف حراسة الأراضي المقدسة.

5 – سجلات الميلاد والمعمودية لأبرشية القديس نيقوديموس اللاتينية، الرملة ، الجزء 1 ، العدد 107 ، (1873-1931). تم الوصول إليه في آذار 2023. حراسة أرشيف الأراضي المقدسة، القدس.

6 – الاب أوغسطين سزيمانسكي، السيرة الذاتية لأوغسطين الأعمى. تم الوصول إليه في آذار 2023. حراسة أرشيف الأراضي المقدسة، القدس، حوالي عام 1988.

7 – دير المخلص ، “سجل دار الأيتام القدس” ، العدد 107 ، القدس. تم الوصول إليه في مارس 2023. حراسة أرشيف الأراضي المقدسة.


[1] Agostino Bisciara Lama of unknown relatives – born in Ramle of Palestine on 28 August 1902 – Baptised the same day. Entered 16 October 1908.

[2] Agustino Lama was born in Ramleh on 28.08.1903. His father, Bishara (=Annuncio), was a merchant; his mother, named Maria, was a native of Bethlehem. His father died in 1911 and his mother in 1954. Both were buried in Bethlehem in the Latin Parish cemetery.

شارك
email whatsapp telegram facebook twitter